الخبر – 24: هيئة التحرير
رغم الجهود الكبيرة التي بُذلت لإنجاح الاحتفالات المخلدة للذكرى الخمسينية للمسيرة الخضراء بمدينة العيون، وما تحمله هذه المناسبة من رمزية وطنية عميقة في الوجدان المغربي، إلا أن الجانب التنظيمي في بعض السهرات الفنية الأخيرة أثار استياءً واسعاً في صفوف عدد من الصحافيين المهنيين الذين وجدوا أنفسهم أمام عراقيل غير مبررة أثناء أداء مهامهم الإعلامية.
ورغم أن بطائق الاعتماد الخاصة بالصحافيين كانت متوفرة هذه المرة، وهي خطوة إيجابية تُحسب للمنظمين، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لضمان تغطية مهنية في ظروف سليمة. فقد غابت الحماية التنظيمية للمساحات المخصصة للصحافة، ولم تُحترم من طرف الحضور، مما جعل العمل الصحفي في الميدان صعباً ومليئاً بالتحديات.
عدد من الإعلاميين اشتكوا من غياب تدخل واضح من الجهة المنظمة لضمان النظام واحترام المسافات المهنية داخل الفضاء المخصص للتغطية، وهو ما أثر سلباً على جودة العمل الميداني، وأفقد الحدث شيئاً من الانسيابية والتنظيم الذي يليق بمستوى هذه الذكرى الوطنية التاريخية.
وما زاد من حدة الاستياء، منع عدد من الصحافيين من أخذ التصريحات أو إجراء اللقاءات مع الفنانين المشاركين في السهرات، دون توضيح رسمي للأسباب، وهو ما اعتُبر تعدياً صريحاً على حق الصحافي في ممارسة مهامه بحرية ومسؤولية، وحرماناً للجمهور من محتوى تفاعلي ومهني يعكس مجريات الحدث عن قرب.
كما لوحظ غياب أي التفاتة أو كلمة شكر في حق الجسم الإعلامي، رغم الجهود الكبيرة المبذولة في تغطية مختلف الأنشطة المرتبطة بالمسيرة الخضراء طيلة أيام الاحتفالات، من الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل. تجاهلٌ اعتبره كثيرون مؤشراً على ضعف الوعي بأهمية الصحافة كشريك حقيقي في إنجاح التظاهرات الوطنية.
وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن الصحافة سلطة رابعة، ودورها لا يقل أهمية عن أي سلطة أخرى في المجتمع. فهي تمارس مهامها في نقل الحقيقة وتنوير الرأي العام، لذلك فإن تسهيل الطريق أمامها لتأدية مهامها واجب وليس امتيازاً.
ومن الضروري أيضاً عدم الخلط بين الصحافي المهني الذي يعرف حدوده ومسؤولياته، ويحترم أخلاقيات المهنة، وبين من لا يمتّ للمهنة بصلة ويستغل صفة “الصحافي” لأغراض شخصية أو ترويجية، لأن هذا الخلط يسيء إلى صورة المهنة ويُربك العلاقة بين المنظمين والإعلاميين الحقيقيين.
إن قانون الصحافة والنشر المغربي واضح في تكريسه لحق الصحافي في الوصول إلى المعلومة، وفي ممارسة مهامه في بيئة آمنة تحفظ كرامته وتيسر عمله، وهو ما يجب أن يُترجم ميدانياً من خلال توفير فضاءات مهيأة واحترام مهني متبادل بين المنظمين والإعلاميين. فالصحافة ليست ديكوراً يُستدعى لتغطية الحدث، بل سلطة مهنية تؤدي واجبها في التوثيق والمساءلة ونقل الصورة إلى الرأي العام.
إن ما حدث في بعض سهرات الذكرى الخمسينية للمسيرة الخضراء بالعيون يستدعي وقفة مسؤولة لإعادة النظر في آليات التعامل مع الصحافيين، وضمان أن تكون التغطيات المقبلة نموذجاً في التنظيم والاحترام.
فمن يُكرم الصحافة، إنما يُكرم الحقيقة، ومن يضمن كرامة الصحافي، يضمن استمرار الوعي الجماعي الذي تحفظ به الأوطان ذاكرتها.