الخبر -24: هيئة التحرير
بدل أن يشكّل اللقاء التشاوري الذي انعقد يوم أمس بقاعة ولاية جهة العيون–الساقية الحمراء فضاءً للنقاش العمومي والتشارك بين مختلف الفاعلين، تحوّل إلى جلسة مغلقة شبيهة بـ”لقاء سري” لا يعكس فلسفة المقاربة التشاركية التي تؤطر هذه اللقاءات عبر مختلف جهات المملكة، وفق التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى إشراك جميع القوى المجتمعية في صياغة تصوّرات التنمية الترابية.
فبينما نجحت لقاءات تشاورية عديدة بجهات أخرى في تجسيد روح الحوار والانفتاح، عرف لقاء العيون ـ حسب مصادر من داخل القاعة ومتابعين للشأن المحلي ـ تنظيمًا سريعًا ومفاجئًا بدا وكأنه “طُبخ البارح باش يكون واجد اليوم”. أما الدعوات، التي كان يفترض أن تُوجَّه لمختلف الفعاليات المدنية والاقتصادية والسياسية، فقد شملتها ـ للأسف ـ انتقائية دقيقة اقتصرت على أسماء محدودة ومعروفة بولائها الكامل، في خطوة فسّرها البعض بأنها محاولة لضمان “أسلوب التلميع” وقطع الطريق أمام الأصوات الحرة القادرة على إغناء النقاش بجرأة ومسؤولية.
اللقاء الذي كان يُفترض أن يُسهم في رفع توصيات ومقترحات حقيقية نحو المركز قصد بلورتها في سياسات تنموية تستجيب لانتظارات الساكنة، مرّ في أجواء باردة وغامضة، غابت عنها الدينامية التي تُميّز النقاش العمومي الحقيقي. كما تم إقصاء عدد كبير من الجمعيات والفاعلين المحليين الذين لم يُتح لهم حتى حق الحضور، فضلاً عن استبعاد عدد من الصحافيين الذين رافقوا الوفود الرسمية خلال الاحتفالات الأخيرة، بينما تم السماح فقط لوسائل إعلام منتقاة بعناية.
متتبعون للشأن العام اعتبروا أن هذا اللقاء يعكس حالة التضييق التي يشهدها المشهد المحلي بالعيون، حيث تعيش الأصوات الحرة صعوبة في التعبير، وسط هيمنة مجموعات محدودة تُمسك بخيوط القرار السياسي والإداري. كما رأى محللون أن النخبة المحلية باتت في وضع ضعف وارتباك، تفتقر لروح المبادرة ولملكة المواجهة، وتستعيض عن النقاش الحقيقي بخطابات جاهزة وآليات إقصاء ممنهجة.
وفي الوقت الذي قدمت فيه الداخلة نموذجًا يُحتذى به في الانفتاح والإنصات خلال لقاءها التشاوري، قدّمت العيون ـ للأسف ـ نموذجًا مقلقًا يعكس تراجعًا ديمقراطيًا وحقوقيًا خطيرًا، رغم ما تعرفه المدينة من ازدهار عمراني ومشاريع تنموية كبرى. غير أن هذا التطور لم ينعكس بعد على أساليب تدبير الشأن العام، ولا على ممارسات بعض المسؤولين الذين يواصلون التحكم بدل إشراك المواطن.
وقد اعتبر عدد من المراقبين أن تنظيم اللقاء داخل مقر الولاية، وسط حضور مكثّف للسلطة ورجال الأمن وتعليمات صارمة بعدم السماح لأي شخص خارج لائحة “أصحاب الدعوة”، يوجّه رسالة سلبية للرأي العام، ويُعمّق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات. كما يؤكد، حسب المتتبعين، أن العيون ما تزال تعاني من هيمنة أقلية تتحكم في الفضاء العام وتُقصي باقي القوى الحيوية.
وفي الوقت الذي كان من المنتظر أن تتصدر الفعاليات المدنية والسياسية والاقتصادية النقاش، وجد الحاضرون أنفسهم أمام لقاء مطبوع بالرتابة، غابت عنه روح المبادرة، بينما كان تدخل الوالي يشكل الواجهة الأساسية للقاء، في وقت كان يُنتظر منه ـ حسب المتتبعين ـ أن يكتفي بدور المنصت والميسر بدل المتدخل الرئيسي.
هكذا، قد يكون اللقاء التشاوري الذي عُقد يوم أمس بالعيون مؤشرًا جديدًا على الحاجة إلى مراجعة عميقة في أساليب تدبير الحوار العمومي، حتى ينسجم مع رؤية المملكة لمغرب حديث، ديمقراطي، تشاركي، يضع المواطن في صلب القرار. أما الصورة التي خرج بها هذا اللقاء، فهي للأسف ـ كما وصفها البعض ـ “الباز لمصدي” لا يليق بمدينة بحجم العيون ولا بما تحقق فيها من تنمية، ولا بتطلعات ساكنتها التي تنتظر فضاءات تبني الثقة بدل تبديدها.