الخبر -24: لحسن هلال
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، تعود إلى الواجهة ظاهرة الترحال السياسي، حيث يختار عدد من المنتخبين تغيير انتماءاتهم الحزبية والانتقال من لون سياسي إلى آخر، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود القناعة السياسية وحجم حضور الحسابات الانتخابية والشخصية في اتخاذ القرار.
ففي الوقت الذي يفترض أن يكون الانتماء الحزبي مبنياً على قناعة فكرية وبرنامج سياسي ورؤية واضحة لتدبير الشأن العام، يكشف الواقع أحياناً عن انتقالات سريعة بين الأحزاب، خصوصاً عندما تقترب الاستحقاقات الانتخابية، ما يعطي الانطباع بأن بعض المنتخبين يتعاملون مع السياسة بمنطق “البحث عن الموقع المناسب” أكثر من الالتزام بمشروع سياسي محدد.
ولا يتعلق الأمر دائماً بخلافات فكرية أو اختلافات في البرامج؛ إذ إن بعض حالات الترحال تبدو مرتبطة، بشكل أو بآخر، بحسابات انتخابية دقيقة، من قبيل ضمان التزكية، الحفاظ على النفوذ المحلي، أو البحث عن حزب يوفر حظوظاً أكبر للعودة إلى مواقع المسؤولية.
من القناعة إلى الحسابات الانتخابية
المشكل لا يكمن فقط في تغيير الحزب، فحرية الانتماء السياسي تظل مبدأً قائماً، كما أن هناك حالات حقيقية قد تدفع المنتخب إلى مغادرة حزبه بسبب خلافات تنظيمية أو سياسية.
لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول تغيير اللون الحزبي إلى ممارسة متكررة، مرتبطة أساساً بموازين القوى والبحث عن المصالح والمناصب، فيصبح الحزب بالنسبة لبعض المنتخبين مجرد وسيلة للوصول إلى موقع انتخابي، وليس إطاراً للعمل السياسي والترافع عن قضايا المواطنين.
وتزداد حدة هذه الظاهرة على المستوى المحلي، حيث يظل تأثير الأشخاص والوجوه الانتخابية قوياً، وهو ما يجعل بعض المنتخبين قادرين على الانتقال بين الأحزاب مع الاحتفاظ بجزء مهم من قواعدهم الانتخابية. وقد أشارت تحليلات سياسية حديثة إلى أن التصويت في عدد من الدوائر لا يزال مرتبطاً بالشخص والوجاهة المحلية أكثر من ارتباطه بالبرنامج الحزبي.
المواطن هو الحلقة الأضعف
ويبقى السؤال الأكبر: ماذا عن الناخب؟
المواطن الذي منح صوته لمرشح على أساس انتمائه الحزبي وبرنامجه، قد يجد نفسه بعد فترة أمام منتخب يحمل لوناً سياسياً مختلفاً تماماً، دون أن تتغير بالضرورة قناعاته أو توجهاته تجاه تدبير الشأن العام.
وهنا تتحول المسألة من مجرد “تغيير انتماء” إلى أزمة ثقة، لأن الناخب قد يشعر بأن صوته استُخدم للوصول إلى المنصب، قبل أن يصبح الانتماء الحزبي مجرد ورقة قابلة للتغيير عندما تتغير الحسابات.
هل أصبحت السياسة “سوقاً للترشيحات”؟
الترحال السياسي يطرح أيضاً سؤالاً أعمق حول وظيفة الأحزاب نفسها.
فإذا أصبحت بعض الأحزاب تتنافس على استقطاب المنتخبين أصحاب النفوذ والقواعد الانتخابية، وأصبح بعض المنتخبين بدورهم يبحثون عن الحزب الأكثر قدرة على ضمان المستقبل الانتخابي، فإن المشهد قد ينتهي إلى سياسة تقوم على الأشخاص والمصالح أكثر مما تقوم على الأفكار والبرامج.
والنتيجة هي إضعاف صورة العمل الحزبي أمام المواطن، وتعميق الاعتقاد بأن السياسة لا تحكمها دائماً المبادئ، بل تحكمها في بعض الأحيان حسابات المصلحة والموقع والنفوذ.
بين الحق القانوني والمسؤولية الأخلاقية
صحيح أن القانون ينظم الانتماء السياسي ويضع قيوداً على الترحال بالنسبة للبرلمانيين، انسجاماً مع الفصل 61 من الدستور، الذي ينص على تجريد عضو أحد مجلسي البرلمان من صفته إذا تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه.
لكن محاربة الظاهرة لا يمكن أن تكون قانونية فقط؛ بل تحتاج أيضاً إلى وعي سياسي وأخلاقي يجعل المنتخب يعتبر التزامه تجاه الناخبين والحزب مسؤولية، وليس مجرد محطة مؤقتة إلى حين ظهور فرصة انتخابية أفضل.
وفي النهاية، قد تتغير الأحزاب، وتتبدل التحالفات، وتتغير الألوان والشعارات… لكن ما لا ينبغي أن يتغير هو المبدأ: السياسة قبل أن تكون بحثاً عن منصب، هي التزام تجاه المواطن وثقة يمنحها الناخب لمن يختار تمثيله.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يغير المنتخب حزبه لأنه غيّر قناعته السياسية فعلاً، أم لأن مصلحته الانتخابية تغيّرت؟