الخبر -24: منير لصفر
لم تعد بعض المباريات تُختزل في تسعين دقيقة من التنافس الشريف فوق المستطيل الأخضر، بل تحوّلت أحيانًا إلى ساحة مشحونة تتجاوز حدود الرياضة، وتلامس سلوكات لا تمت بصلة لقيم اللعب النظيف.
أن تلعب خارج أرضك، في بلد يجمعك به الانتماء القاري فقط، فتلقى الاستقبال اللائق، وتحظى بشروط مواجهة رياضية واضحة، وتغادر بالظروف نفسها سواء كنت منتصرًا أو متعادلًا أو منهزمًا، فذلك مشهد يعكس معنى الاحتراف والاحترام المتبادل. لكن المفارقة تظهر حين تواجه فرقًا ومنتخبات يُفترض أن تجمعك بها روابط أكثر من مجرد الجغرافيا؛ روابط تاريخ وثقافة ودين ولغة، لتجد نفسك أمام أجواء مشحونة تتجاوز حدود التنافس المشروع.



في مثل هذه المواجهات، لا يبدو أن الهدف هو الفوز فقط، وهو حق طبيعي لكل فريق، بل يتعداه أحيانًا إلى استعراض “مواهب” في الملاكمة والمصارعة والاحتجاج المبالغ فيه، وكأن الصمود فوق الميدان يُعدّ استفزازًا، وكأن الضيف مطالب ضمنًا بالانهزام راضيًا مرضيًا، وأي مقاومة تُصنّف في خانة سوء السلوك أو التعالي.
ما حدث في مباراة الجيش الملكي أمام الأهلي أعاد هذا النقاش إلى الواجهة. فالفريق المغربي، الذي تجرأ وصمد وعاد بنتيجة التعادل من قلب الميدان، وجد نفسه أمام أجواء جماهيرية مشحونة، لم تبخل على لاعبيه وطاقمه التقني بقارورات المياه وبقايا الطعام، تعبيرًا عن غضبٍ لأن الفريق لم يرضخ للسيناريو المنتظر.
هنا يُطرح السؤال الجوهري: أين تنتهي حرارة التشجيع وتبدأ فوضى الانفعال؟ وأين يقف الخط الفاصل بين الضغط الجماهيري المشروع والسلوك الذي يسيء لصورة الكرة الإفريقية والعربية على حد سواء؟
الرياضة، في جوهرها، مساحة للتنافس النبيل، تُحسم فيها النتائج بالمهارة والانضباط والتكتيك، لا بالضغط خارج الخطوط. وحين يتحول الملعب إلى فضاء لتصفية مشاعر الغضب أو فرض “منطق الأرض”، فإننا نبتعد كثيرًا عن فلسفة اللعبة التي وُجدت لتقريب الشعوب لا لتعميق الاحتقان.
قد يختلف المتابعون حول تفاصيل كل مباراة، وقد تتباين القراءات بين هذا الطرف وذاك، لكن الثابت أن احترام المنافس شرط أساسي لصون كرامة الرياضة نفسها. فالانتصار الحقيقي لا يكون فقط في عدد الأهداف، بل في القدرة على تقبل النتيجة، أيا كانت.
وبين روح التنافس وروح التعصب، يبقى السؤال مفتوحًا: على أي جانبيك تميل؟
إلى كرة تُلعب بالقدم والعقل، أم إلى مواجهات تُحسم خارج حدود المستطيل الأخضر؟