الخبر -24: منير لصفر
كان المغاربة، في زمن غير بعيد، يربطون الشتاء بالبركة، والثلج بالرزق المؤجل.
كان سقوطه مدعاة للحمد، لا للخوف؛ لأن الأرض تُروى، والزريعة تستبشر، والموسم يُبشّر بالخير.
وكان الاعتقاد راسخًا بأن الثلج لا يغسل التربة فقط، بل يطهر ما علق بالقلوب من تعب السنة وقسوتها.
اليوم، تغيّر المعنى.
لم يعد الشتاء وحده كافيًا ليبعث الطمأنينة، ولا الثلج قادرًا على تهدئة الغليل.
فالناس لم يعودوا ينتظرون الغيث فقط، بل ينتظرون سقوطًا آخر… سقوط الأثمان.
اليوم، يُقاس الفرج بهبوط ثمن المحروقات،
وبانخفاض أسعار المواد الغذائية،
وبتراجع ثمن السمك،
وبفاتورة أخف،
وكلفة أقل،
وأعذار أقل تبريرًا للغلاء.
أصبح “السقوط” أمنية جماعية،
لكنها لم تعد مرتبطة بالسماء،
بل بالسوق، والقرارات، والسياسات.
كثُر ما يسقط حولنا،
لكن الطمأنينة أصبحت نادرة.
الحديث عن “يطيح” صار يوميًا،
غير أن السؤال الحقيقي بات أعمق:
هل يكفي أن يسقط الثلج ليغسل القلوب فعلًا؟
أم أن ما يجب أن يسقط أولًا هو هذا العبء الثقيل الجاثم على صدور الناس؟
عبء الغلاء،
وعبء القلق،
وعبء الإحساس بأن المواسم تتبدل،
لكن الأحوال لا تتحسن.
ربما لم تعد المشكلة في قلة المطر،
ولا في تأخر الثلج،
بل في ثقلٍ لا يغسله ماء،
ولا يذوبه برد،
ثقل يحتاج إلى عدالة اجتماعية،
وإنصاف اقتصادي،
وشعور بسيط بأن الغد قد يكون أخف من اليوم.
في زمنٍ كان الثلج فيه رزقًا،
صار اليوم مجرّد مشهد جميل…
لا يكفي وحده ليعيد الدفء إلى القلوب.