الخبر -24: منير لصفر
في كثير من الأحيان، وبحسن نية، نجد أنفسنا نساهم في نشر وتوزيع ما تنتجه بعض الأبواق الإعلامية المعادية، خاصة تلك الصادرة عن الجيران الكراغلة الذين لم يُخفوا يومًا حقدهم وعداءهم.
نقوم بذلك بدافع فضح الأكاذيب، وكشف المغالطات، وإظهار حجم الغل الذي يسكن خطابهم، معتقدين أننا نؤدي واجبًا وطنيًا أو إعلاميًا.
لكن، دون أن ننتبه، نكون قد قدمنا لهم خدمة مجانية.
فكل مشاركة، وكل تعليق، وكل رد—even وإن كان ناقدًا أو ساخرًا—يساهم في رفع نسب المشاهدة، وتوسيع دائرة الانتشار، وزيادة عدد المتابعين، وإيصال خطابهم إلى فئات لم تكن لتصل إليه أصلًا.
وهكذا، يتحول فعل “الفضح” إلى آلية غير مباشرة للترويج.
الإعلام المعادي لا يعيش على المصداقية، بل على الضجيج.
ولا يقتات على الحقيقة، بل على التفاعل.
وكلما ارتفع منسوب الردود، زادت أهميته في خوارزميات المنصات، وازداد حضوره، ولو كان حضورا مشحونا بالكذب والافتراء.
هنا يطرح سؤال بسيط، لكنه عميق الأثر:
ماذا لو اخترنا الصمت الواعي بدل الرد الغاضب؟
ماذا لو امتنعنا عن متابعة برامجهم، وقراءة كتاباتهم، ومشاركتها مع الغير، أو حتى الحديث المتكرر عنها؟
النتيجة، على الأرجح، ستكون قاسية عليهم.
فالأبواق تعيش بالمتابعة، وتموت بالتجاهل.
والخطاب الذي لا يُتداول، يذبل تلقائيًا، مهما كان صاخبًا أو مستفزًا.
التجاهل هنا ليس ضعفًا، بل استراتيجية.
ليس هروبًا، بل وعيًا بكيفية عمل الإعلام الحديث، حيث لا يهم “ماذا يُقال”، بقدر ما يهم “كم مرة تم التفاعل معه”.
ربما حان الوقت لنفهم أن أقسى ضربة يمكن توجيهها لخطاب الكراهية والتحريض، ليست في الرد عليه، بل في حرمانه من الأكسجين الذي يعيش به:
الاهتمام.
حين نكف عن التضخيم،
ونكف عن إعادة النشر،
ونكف عن الانجرار إلى معارك جانبية،
سنكتشف أن كثيرًا من الأصوات المرتفعة… لم تكن قوية،
بل كانت فقط مسموعة أكثر مما تستحق.